الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
40
شرح ديوان ابن الفارض
واضحا مستبينا مخالفا به عن طريقه غير واضح المعنى ؛ إما لخفاء صوته عند نطقه فهو لا يسمع ليفهم ، وإما لاختلاط عقله بضرّه فهو لا يقول ولا يفهم ما يقول . ويصحّ كونه من قولهم : لا يعرف الحيّ من الليّ ، أي : الحق من الباطل ، لكنه بعيد في الحملة فليتدبر ، وتسكين ليّ مع كونه بحسب العطف خبرا لصار لغة ، وهذا البيت من جملة ما حكى بقوله قل . والمعنى : قل صار وصف الضّرّ لملازمته له ذاتيّا غير منفكّ عن ماهيّته فهو لا يرجو زواله لأن الذاتي للشيء لا يزول عنه وصار كلامه الذي كان ظاهرا واضحا خفيّا غير واضح . وفي البيت الطّباق بين الحيّ والليّ والمبالغة ، ويظهر لي أن قوله : عن عناء بمنزلة الاحتراز عن أن يظن أن وصف الضّرّ حيث صار ذاتيا للصبّ لا يتألم له إذ الذاتي للشيء لا يؤذيه وإنما يؤذي ما عرض لذات الشخص بعد أن لم يكن ، فهو يقول مع كون وصف ضرّه صار ذاتيّا له فهو صادر عن عناء وتعب لا عن سكون وراحة . ( ن ) : وصف الضرّ هو البلاء الملازم كما قال أيوب عليه السلام : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [ الأنبياء : الآية 83 ] ، وفي الحديث « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » ، أي : الأقرب فالأقرب من ميراث الأنبياء في العلوم والأخلاق وقوله : عن عناء ، أي : عن تعب ومشقّة وهو الاكتساب الذي نال به مقام ولاية اللّه تعالى ، كما قال سبحانه : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : الآية 69 ] ، وقوله : والكلام الحيّ ليّ ، أي : أن حديثه بالصدق في نفسه عن نفسه صار عنده كذبا لاحتجابه برؤيته عن شهود ربّه . اه . كهلال الشّكّ لولا أنّه أنّ عيني عينه لم تتأيّ [ الإعراب : ] أي : هو « كهلال الشك » في الخفاء لنحوله يتحدّث الناس برؤيته ولم يثبت . وقوله : « لولا أنه أن » الخ : جملة مستأنفة لبيان فرق بينه وبين هلال الشك وذلك الفرق هو الأنين فلولا حرف امتناع لوجود ، وأنه أن المفتوحة واسمها وأنّ فعل ماض من الأنين وفاعله ضمير يعود إلى الصبّ وجملة أن من الفعل والفاعل في محل رفع على أنها خبر أن وأن مع اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف ، أي : لولا أنينه موجود لم تتأيّ ، أي : لم تتعمّد . « عيني عينه » : فعيني مبتدأ وهي العين الباصرة وعينه بمعنى الذات منصوبة على أنها مفعول مقدّم لقوله تتأيّ وفاعله ضمير يعود إلى المبتدأ وجملة لم تتأيّ عينه خبر عيني والجملة كلها لا محل